القرطبي
315
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
انتصف النهار غشى عليه ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " ففرحوا فرحا شديدا ، ونزلت : " وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر " . وفي البخاري أيضا عن البراء قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله ، وكان رجال يخونون أنفسهم ، فأنزل الله تعالى : " علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم " . يقال : خان وأختان بمعنى من الخيانة ، أي تخونون أنفسكم بالمباشرة في ليالي الصوم . ومن عصى الله فقد خان نفسه إذ جلب إليها العقاب . وقال القتبي : أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شئ فلا يؤدي الأمانة فيه . وذكر الطبري : أن عمر رضي الله تعالى عنه رجع من عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد سمر عنده ليلة فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت له : قد نمت ، فقال لها : ما نمت ، فوقع بها . وصنع كعب بن مالك مثله ، فغدا عمر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أعتذر إلى الله وإليك ، فإن نفسي زينت لي فواقعت أهلي ، فهل تجد لي من رخصة ؟ فقال لي : ( لم تكن حقيقا يا عمر ) فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن . وذكره النحاس ومكي ، وأن عمر نام ثم وقع بامرأته ، وأنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فنزلت : " علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن . . . " الآية . الثانية - قوله تعالى : " ليلة الصيام الرفث " " ليلة " نصب على الظرف ، وهي اسم جنس فلذلك أفردت . والرفث : كناية عن الجماع لان الله عز وجل كريم يكني ، قاله ابن عباس والسدي . وقال الزجاج : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته ، وقاله الأزهري أيضا . وقال ابن عرفة : الرفث ها هنا الجماع . والرفث : التصريح بذكر الجماع والاعراب به . قال الشاعر : ويرين من أنس الحديث زوانيا * وبهن عن رفث الرجال نفار وقيل : الرفث أصله قول الفحش ، يقال : رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح ، ومنه قول الشاعر : ورب أسراب حجيج كظم * عن اللغا ورفث التكلم